BlogMuslim Lifestyle

إن الخسارة الحقيقية ليست خسارة في الممتلكات، بل

هل شعرت يوماً بأن العالم على وشك الانهيار؟

تخيل تلك اللحظة. أن ترى أرقام حسابك المصرفي تنهار فجأة؟ أو أن ترى العمل الذي بنيته على مدى سنوات، يضطر فجأة إلى الإغلاق بسبب ظروف غير متوقعة؟

هل تشعر بخيبة أمل؟ هذا أمر طبيعي تماماً. هل تشعر بالحزن؟ هذا طبيعي تماماً. إنهم بشر، ولهم قلوب، وليسوا آلات.

لكن دعونا نجلس للحظة، ونأخذ نفساً عميقاً، ونتأمل. هل خسارة مبلغ رمزي من المال، أو خسارة الأصول، أو خسارة المنصب هي التعريف الحقيقي للخسارة؟

لنكن صريحين، غالباً ما ننغمس في عالم الآلات الحاسبة. تصبح المعادلات في أذهاننا ضيقة للغاية. الربح هو زيادة المال، والخسارة هي نقصانه.

لكن إذا نظرنا من منظور الإيمان، فإن نظرتنا تتغير جذرياً. ننسى الحقيقة الأساسية: أن هذا العالم مكانٌ ابتلاء من الله.

العالم ليس سوى غرفة “ابتلاء من الله”، وليس مكانًا للعيش فيه

إن الحياة في الحقيقة ليست سوى “قاعة امتحان عملاقة”. فكل ثانية تمر، وكل حادثة تحدث، وكل حالة من حالات محافظنا، كلها أسئلة امتحان يقدمها لنا الله ﷻ .

غرفة الامتحان مؤقتة، أما الآخرة فهي مكان النتائج الأبدية

أول شيء يجب أن نغرسه بعمق في قلوبنا هو مسألة المدة والوظيفة.

لماذا نشعر غالبًا بخيبة أمل شديدة عند الخسارة، أو بفرحة غامرة عند الفوز؟ الإجابة بسيطة: ننظر إلى هذه الدنيا على أنها موطننا الدائم، ونشعر وكأننا سنبقى فيها إلى الأبد. في الحقيقة، هذه الدنيا ليست سوى ساحة ابتلاء من الله قصيرة الأمد، أما الآخرة فهي الحياة الحقيقية الأبدية.

الله تعالى بشكل جميل بالطبيعة الحقيقية لهذا العالم:

وَمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ( سورة العنكبوت [29]: 64).

تخيّل نفسك تخوض امتحانًا وطنيًا. تدخل القاعة لتتدرب على أسئلة الامتحان لمدة ساعة أو ساعتين. بمجرد أن يرن الجرس، يُطلب منك المغادرة، تاركًا أوراق الامتحان وأقلامك وأوراق الكشط. تغادر القاعة منتظرًا إعلان النتائج.

حسنًا، العالم أشبه بقاعة امتحان. مكانٌ نبذل فيه جهدًا كبيرًا، ونفكر مليًا، ونتحمل التعب، ونكافح لكتابة الإجابات. في هذه المرحلة، لا يوجد حكم بالنجاح أو الفشل، بل مجرد عملية حل المشكلات.

في غضون ذلك، تُشبه الحياة الآخرة مركزًا لتوزيع شهادات التقدير. هناك تُحاسب ثمار عملنا. هناك سنكتشف من هو الناجح حقًا (الذي سيدخل الجنة) ومن هو الفاشل حقًا (الذي سيدخل النار).

لذا، إذا شعرنا اليوم بضائقة مالية، فلنتذكر أن هذا يحدث في قاعة امتحان مؤقتة. إنها ليست نهاية العالم. لم تُطبع نتائجنا بعد. ما دمنا على قيد الحياة، لا تزال لدينا فرصة لتحسين إجاباتنا حتى تكون النتيجة النهائية مرضية لله ﷻ .

جوهر الامتحانات: أسئلة مختلفة، لكن الهدف واحد.

إذن، كيف ننظر إلى الحياة، التي تكون أحيانًا في الأعلى وأحيانًا في الأسفل؟ لتسهيل الأمر، دعونا نستخدم تشبيه المدرسة مرة أخرى.

خلال الامتحانات المدرسية، يوزع المعلمون مجموعات مختلفة من أسئلة الاختبار. هناك اختبار في الرياضيات (معقد، مليء بالأرقام، ومربك). وهناك اختبار في الفنون (ممتع، ملون، ومريح).

السؤال هو: عندما نواجه مسألة رياضية (صعبة)، هل يعاقبنا المعلم، أم أننا نتهمه حتى بكرهنا؟ وعندما نواجه مسألة فنية (سهلة)، هل يضمن ذلك نجاحنا وتفوقنا في الصف؟ ليس بالضرورة.

لن يتم تحديد الدرجة النهائية في بطاقة التقرير بناءً على نوع الأسئلة التي تلقاها، ولكن بناءً على دقة الإجابات التي كتبها.

وكذلك الحال في حياتنا. فالفقر والحرمان أشبه بمسائل الرياضيات، إذ يُشعِرنا بصعوبةٍ وضيقٍ في الصدر، ويتطلبان جهداً إضافياً. أما الثروة والربح فهما أشبه بمجموعة أسئلة الفنون، إذ يُشعِرنا بالراحة والهدوء والمتعة.

لكن تذكر، كلاهما له وضع أسئلة الامتحان.

الله تعالى :

كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ( سورة الأنبياء [21]: 35).

الأمر المثير للسخرية هو أننا غالبًا ما ننشغل بالشكوى لمن وضع أسئلة الامتحان (الله ﷻ ). “يا الله، لماذا أسئلتي صعبة؟ ولماذا أسئلتهم سهلة؟” في الحقيقة، ليس من واجبنا الشكوى من الأسئلة، بل التركيز على كتابة الإجابات الصحيحة لنتمكن من اجتياز الاختبار لاحقًا.

اقرأ أيضاً: تأجيل سداد الديون، صدقة خفية

مفتاح الإجابات المسرب: التقوى مقابل الفجور

والخبر السار هو أننا لسنا وحدنا في قاعة الامتحان هذه، حائرين. فقد غرس الله تعالى فينا القدرة على اختيار الإجابة الصحيحة. وليس هناك إلا طريقان رئيسيان، كما جاء في كتابه:

فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ( سورة الصيام [91]: 8).

حسنًا، إليكم مفتاح الإجابات المسرب:

الإجابة الصحيحة (ناجح): اختيار طريق التقوى.
وهذا يعني الاستجابة لجميع الظروف وفقًا لأحكام الله. وهذا موقف جدير بالثناء وصالح.

إجابة خاطئة (فشل): اختيار طريق البر/الخطيئة.
وهذا يعني الاستجابة للظروف بانتهاك أوامر الله أو ببساطة اتباع أهوائنا. وهذا موقفٌ مُستنكرٌ وخاطئ.

هيا بنا، لنحاول تطبيق المفتاح

ولتوضيح الأمر أكثر، دعونا نرى كيف يُستخدم هذا المفتاح للتقوى عندما نتلقى مجموعات مختلفة من الأسئلة:

مثال على السؤال 1: اختبار الخسارة/الكوارث

الشروط: خسارة الشركة للأموال، أو فقدان الأصول، أو قيام الناس بالغش.

الجواب على التقوى: الصبر والرضا. نبدأ بقبول قضاء الله دون اعتراض، قائلين: “اللهم إني راضٍ “، مع الاستمرار في السعي لتحسين الوضع.

إجابة فوجور: الغضب واليأس. لعن القدر، وإلقاء اللوم على الله، أو حتى البحث عن منافذ غير مشروعة (مثل المقامرة لاسترداد استثمارك بسرعة، أو الذهاب إلى شامان).

مثال على السؤال 2: اختبار المتعة/المنفعة

الحالة: العمل يحقق أرباحاً طائلة، والوظيفة في ازدهار، والمال متوفر بكثرة.

إنّ سرّ التقوى يكمن في الشكر والتواضع. فاعلم أنّ هذا مجرّد هبة، واحرص على بذل المزيد من الصدقات، وتخلّص من الغرور.

جواب فوجور: الخيانة والغطرسة. الشعور بالتفوق بسبب الجهود الشخصية، والبخل، وظلم الآخرين، وإهدار المال على المعاصي.

مثال من حديث النبي : جميع أحوال المؤمنين حسنة

قال النبي ﷺ :

عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ (حديث رواه مسلم )

هذا الحديث هو ملخص مثالي لمفتاح الإجابة على اختبار حياتنا،

عندما تحلّ المصائب، يبقى المؤمن مطمئناً، إذ يواجه الاختبار بصبر. وعندما تُنعم عليه النعم، لا يستسلم للرضا، بل يواجه الاختبار بامتنان.

إذن فالأمر واضح تماماً، أليس كذلك؟ يتمتع المؤمنون بـ”امتيازات” أو صفات خاصة لا يمتلكها الآخرون.

اقرأ أيضاً: أهداف التمويل الشخصي للعطاء وليس الاكتناز

إذن، ما هي الخسائر الفعلية؟

حسناً، إذا فهمنا المفتاح، فإن تعريف الخسارة في أذهاننا سيتغير تماماً.

اتضح أن الخسارة الحقيقية ليست عندما يكون محفظتك فارغة، بل عندما تختار الإجابة الخاطئة.

لننظر في هذين السيناريوهين:

أولًا، سيناريو الخسارة الحقيقية (الخسارة المزدوجة).
عندما تُختبر بفقدان ممتلكاتك (سؤال)، ثم تجيب بغضب وتوتر ولوم القدر، فهذه هي الخسارة الحقيقية! المال ضائع في الدنيا، والثواب ضائع في الآخرة. لا يهم السقوط، أو الاصطدام بسلم، أو حتى سقوط الطلاء. إنه سوء حظ في الدنيا والآخرة.

ثانيًا، سيناريو الربح العظيم.
على النقيض، إذا خسرت مالك، ولكنك تعاملت مع الأمر بالتقوى (الصبر والقناعة)، فأنت حقًا في حظ عظيم. لقد اجتزت الاختبار، وغُفرت ذنوبك، ورُفعت مكانتك عند الله تعالى . إن خسارة المال ليست سوى ثمن زهيد مقابل ثمن الجنة الباهظ.

اقرأ أيضاً: معنى الرافعة المالية: رؤية متوافقة مع الشريعة الإسلامية

الخلاصة: ركّز على الإجابات، لا على الأسئلة

إذا كنا اليوم نُختبر بفقدان الأشياء المادية، فانهضوا! امسحوا تلك الدموع.

لا تضيع طاقتك في التذمر والقول: “لماذا امتحاني صعب للغاية؟” بدلاً من ذلك، ركز طاقتك على التأكد من أنك متمسك بالإجابة الصحيحة: التقوى.

ما دمنا نحافظ على التقوى ونتجنب المعاصي في ردود أفعالنا تجاه المشاكل، فإننا في الحقيقة لا نملك حيلة. إنما نسعى جاهدين لحل المشاكل الصعبة لننال أعلى الدرجات أمام الله تعالى .

هيا بنا، لنرفع معنوياتنا من جديد، وبالتوفيق في الامتحان. تأكد من الإجابة بشكل صحيح! بارك الله فيك.

اقرأ أيضاً: هل تفهم أن الثروة ليست كل شيء، ولكن من الصعب أن تفقدها؟

لنستثمر في الشريعة الإسلامية على موقع zeedsharia.com

إن الخسارة الحقيقية ليست خسارة في الممتلكات، بل
إن الخسارة الحقيقية ليست خسارة في الممتلكات، بل

المؤلف: رضا سينداروتاما

مرجع:

القرآن الكريم . يمكن الوصول إليه من
: https://quran.com/
مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم ، كتاب الزهد والرقائق، الحديث رقم ١. 2999. يمكن الوصول إليه من
: https://sunnah.com/muslim:2999 

Join Zeed Sharia

Redha Sindarotama

مقرئ قرآني يعيش في يوغياكارتا. يعمل بنشاط في تعليم ونشر جمال الإسلام

مقالات ذات صلة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تحقق أيضاً
Close
Back to top button