التوكل على الله في طلب الرزق
يُعدّ التوكل على الله من أعظم مقامات الإيمان وأشرف أعمال القلوب، وهو جوهر العلاقة بين العبد وربه في كل شؤون الحياة، ومنها طلب الرزق. فالرزق بيد الله وحده، وهو الذي قدّره لكل مخلوق منذ أن كان في بطن أمه. ومع ذلك، لم يأمرنا الإسلام بالجلوس وانتظار الرزق بلا سعي، بل بالجمع بين الأخذ بالأسباب والثقة الكاملة برب الأرباب.
إنّ التوكل ليس تواكلاً ولا كسلاً، بل هو عمل بالقلب والجوارح معاً. يسعى المسلم في طلب رزقه، متيقّناً أن ما كُتب له سيأتيه، وأن ما فاته لم يكن له أصلاً. تلك المعادلة الربانية تزرع الطمأنينة في النفس وتطهّر القلب من القلق والطمع.
التوكل لا يعني ترك العمل
كثير من الناس يخطئون في فهم التوكل، فيظنونه دعوة للكسل أو ترك السعي، بينما الإسلام يربط بين العمل والاعتماد على الله. فالرسول ﷺ قال:
“لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصاً وتروح بطاناً.” (رواه الترمذي)
الحديث يوضح أن الطير لا تجلس في أعشاشها تنتظر الرزق، بل تخرج صباحاً تسعى وتبذل الجهد، ثم تعود وقد كفاها الله رزقها. وهكذا المسلم الحق، يسعى بجدّ في مهنته أو تجارته أو علمه، لكن قلبه مطمئن بأن الله هو الرزّاق.
التوكل عمل قلبي عظيم لا يتم الإيمان إلا به، ولا يُغني عن العمل بالأسباب، لأن الله أمر بالأخذ بها مع الاعتماد عليه فالسعي والعمل هما جزء من العبادة، والنجاح لا يناقض التوكل، بل يكتمل به.
اقرأ: توكل مع العائد على الاستثمار
الرزق بيد الله وحده
يقرر القرآن الكريم أن الرزق من الله وحده لا شريك له، فلا سلطان لبشر عليه. قال تعالى:
“وفي السماء رزقكم وما توعدون.” (الذاريات: 22)
هذه الآية تحمل طمأنينة عميقة، فالرزق لا يضيع في زحمة الأسباب، ولا يتأخر عن موعده، لأنه مكتوب ومضمون.من عرف أن رزقه لن يأخذه غيره، اطمأن قلبه وهدأت جوارحه
وقد بيّن الإسلام أن تفاوت الأرزاق بين الناس ليس ظلماً، بل حكمة من الله لابتلاء عباده في الشكر والصبر، ولتتكامل مصالح الحياة. فمن رزقه الله مالاً ابتُلي في إنفاقه، ومن قلّ رزقه ابتُلي في صبره. والكل في اختبارٍ دائمٍ من خالقه سبحانه.
اقرأ: عندما تكون الصدقة أكثر قيمة من الثروة
الجمع بين السعي المشروع والتوكل
الإسلام دين توازن، فلا يدعو إلى الركون ولا إلى التعلق بالأسباب دون الله. فالمؤمن الحق هو من يسعى سعياً حلالاً شريفاً، ويبتعد عن الكسب الحرام، ويثق أن البركة في القليل الحلال خير من الكثير المحروم من التوفيق.
التوكل حال القيام بالأسباب لا ينافي الأخذ بها، بل هو كمال الاعتماد على الله مع بذل الجهد. ولذلك، فإن التاجر المسلم، أو الموظف، أو العامل، ينبغي أن يرى في عمله وسيلةً للعبادة، لا مجرد طريق للمال. فهو يزرع أو يصنع أو يبيع، وهو يعلم أن الله هو الذي يسوق إليه الرزق من حيث لا يحتسب.
وفي ذلك درس مهم لكل من يشعر بالضيق أو الخوف من المستقبل: فالله لا ينسى أحداً، وقد كتب لكل إنسان رزقه كاملاً منذ خلق السماوات والأرض.
اقرأ: العمل الجاد في الإسلام
ثمار التوكل في طلب الرزق
عندما يرسخ التوكل في قلب المسلم، تزول عنه الهموم والاضطرابات. لا يقلق على المستقبل، ولا يحزن على ما فاته، لأنه يدرك أن كل شيء بتقدير الله.
التوكل يمنح العبد راحة نفسية ورضا داخلياً لا يُشترى بالمال. من توكل على الله بصدق، فتح الله له أبواباً من الرزق لم يكن يتوقعها، وبارك له في القليل، وجعل له من كل ضيق مخرجاً.
قال الله تعالى:
“ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً.” (الطلاق: 3)
هذه الآية تختصر المعنى كله: من اعتمد على الله كفاه، ومن فوّض أمره إليه أغناه.
اقرأ: كيف تبني تجارة مرنة في الأوقات الصعبة
الخاتمة
التوكل على الله في طلب الرزق ليس موقفاً عابراً، بل هو أسلوب حياة. يجمع بين السعي الجاد والتسليم الهادئ، بين الأخذ بالأسباب والثقة في المسبب. فالإنسان مأمور بالعمل، وموعود بالكفاية من الكريم الرزّاق.
من عرف حقيقة التوكل، عاش مطمئناً مهما تبدّلت الظروف. لأن رزقه ليس بيد الناس، ولا في تقلبات السوق، بل في يد الله الذي قال: “وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها.” (هود: 6)
فليجعل المسلم قلبه معلّقاً بالله، وعمله مخلصاً له، وسيسوق إليه الله رزقه في الوقت الذي يراه خيراً له، من حيث لا يحتسب.
لنستثمر في الشريعة الإسلامية على موقع zeedsharia.com

المراجع
Alukah. (n.d.). الرزق والتوكل. تم الاسترجاع من https://www.alukah.net/sharia/0/1432/الرزق-والتوكل/
Dorar.net. (n.d.). التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب. تم الاسترجاع من https://dorar.net/aadab/2485/
Islamway. (n.d.). توكل الأرزاق. تم الاسترجاع من https://ar.islamway.net/article/96214/
Mawdoo3 Answers. (n.d.). كيف يكون التوكل على الله في الرزق. تم الاسترجاع من https://answers.mawdoo3.com/





