الزوج العاطل عن العمل: ما حكمه في الشريعة الإسلامية؟
عندما يتوقف الزوج عن العمل سواء بسبب المرض، أو فقدان الوظيفة، أو حتى عن اختيارٍ شخصي, يتبادر إلى أذهان الكثيرين سؤال جوهري:
“ما حكم هذا في الشريعة الإسلامية؟ وهل يجوز للزوجة أن تتحمل العبء المالي وحدها؟”
هذا السؤال لا يتعلق فقط بالمال أو المعيشة، بل يمسّ جوهر العلاقة الزوجية، والمسؤولية، والكرامة، والبركة في البيت المسلم. الإسلام لا يفصل بين الجانب المادي والروحي، بل يربط بين العمل والعبادة، وبين الكسب والتقوى.
اقرأ: عمل مربح، لكن الإيمان في تراجع؟ كيف ذلك؟
مسؤولية الزوج في ضوء الشريعة
جعل الإسلام الزوج قائدًا للأسرة لا استبدادًا، بل تحمّلًا للأمانة. القوامة في الإسلام ليست تسلطًا، وإنما تكليف ومسؤولية. قال الله تعالى:
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ
(سورة النساء: ٣٤)
توضح الآية أن النفقة واجبة على الزوج، وهي الدليل العملي على مسؤوليته وقيادته للأسرة. فلا تُبنى القوامة على السلطة، بل على الإنفاق والعطاء.
الزوج الذي يسعى لكسب الحلال ويكدّ لأجل أسرته هو في عبادة دائمة، ولو لم يكن غنياً. أما الذي يقعد عن العمل مع قدرته عليه، فيترك أسرته دون نفقة، فقد أخلّ بأمانة عظيمة أمام الله. فالقضية ليست كسب المال فقط، بل حفظ الكرامة والمسؤولية.
اقرأ: كيفية كسب الدخل الحلال في الأوقات الصعبة
العطل عن العمل, عذرٌ شرعيّ أم تقصير؟
من المهم أن نفرّق بين من لا يعمل لعذرٍ شرعيٍّ، ومن لا يعمل تهاونًا وتكاسلاً.
فمن كان مريضًا أو عاجزًا أو فُصل من عمله قهرًا، فله عذره عند الله، وعلى زوجته أن تصبر وتدعمه، فهما في ابتلاءٍ مشترك. وربّ عجزٍ يقود إلى صبر، وصبرٍ يرفع الدرجات عند الله.
لكن المشكلة الحقيقية حين يكون الزوج صحيح البدن، سليم العقل، وتتوفر له فرص العمل، ومع ذلك يختار الجلوس في البيت بلا عذرٍ معتبر. يعتمد على زوجته أو أهله، وكأن مسؤولية الإنفاق ليست من شأنه.
قال رسول الله ﷺ:
لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةٍ مِنَ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ
(رواه البخاري 1471)
في هذا الحديث توجيهٌ نبويٌّ عظيم: أن العمل الشريف مهما كان بسيطًا خيرٌ من التواكل و السؤال. الكرامة الحقيقية ليست في الراحة، بل في السعي الحلال ولو كان متواضعًا.
الزوج الذي يترك العمل تهاونًا يُعدّ مفرّطًا في حق زوجته وأولاده. أما الذي يجتهد في حدود قدرته، فهو مأجور، وإن كانرزقه قليلاً، لأن الله ينظر إلى النية والجهد لا إلى النتيجة.
اقرأ: الصبر و الشكر:العاملان المتعلقان في الإسلام
دور الزوجة بين الصبر والنصيحة
قد تجد الزوجة نفسها أمام زوجٍ لا يعمل، فتشعر بالحيرة: أتصبر؟ أم تنصحه؟ أم تتحمل النفقة وحدها؟
الإسلام يرشدها إلى طريق التوازن: لا تهين زوجها، ولا تتنازل عن حقها. بل تبدأ بالنصيحة اللطيفة والحوار بالحكمة.
إذا اضطرت الزوجة للعمل لتغطية احتياجات الأسرة، فلا حرج عليها ما دامت نيتها خالصة لله، ولم تهمل واجباتها الأساسية. ومع ذلك، لا يجوز أن يتحول هذا الوضع إلى قاعدة دائمة تجعل الزوج متكاسلاً ومعتمدًا عليها.
فإذا طال الحال دون تغيير، ولم يُبدِ الزوج أي نية في تحمّل مسؤوليته، فلها أن تطلب المشورة من أهل العلم أو ترفع أمرها للقضاء الشرعي إن لزم الأمر. فالإسلام حفظ حق الزوجة كما حفظ حق الزوج، وجعل العدل أساس كل علاقة.
العودة إلى التوحيد: العمل عبادة والرزق من الله
في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الكبرى: أن التوحيد هو أساس كل تصرف.
العمل ليس مجرد وسيلة للعيش، بل هو صورة من صور العبادة والطاعة. قال الله تعالى:
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
(سورة التوبة: ١٠٥)
الزوج الذي يعمل بإخلاص ليعول أسرته هو في عبادةٍ مستمرة، والزوجة التي تصبر وتسانده شريكة في الأجر. الحياة الزوجية في الإسلام قائمة على التعاون والتكامل، لا على الصراع أو المقارنة.
ليس المال هو الذي يصنع السعادة، بل البركة التي يضعها الله في الجهد الصادق والنية الطيبة. فكم من بيتٍ بسيطٍ تغمره السكينة، وكم من بيتٍ غنيٍّ يخلو من الراحة لأن التوحيد غاب عن قلب أهله.
ليتذكّر كل زوجٍ أن السعي للرزق واجب، وأن الكسل ليس من صفات المؤمنين. وليتذكّر كل زوجةٍ أن نصيحتها ودعاءها وصبرها قد تكون سببًا في هداية زوجها وعودة بركة الرزق إلى البيت.
اقرأ: تدعي التوحيد، لكنك لا تزال قلقًا بشأن الرزق؟
الكاتب: ديفين حليم ويجايا
المستشار الشرعي المستقل
لنستثمر في الشريعة الإسلامية على موقع zeedsharia.com

Instagram: @devinhalimwijaya
Linkedin: @devinhalim
المراجع
دار الإفتاء برمنغهام. (بلا تاريخ). الزوج العاطل عن العمل – Husband Not Working?
استرجع من: https://islamqa.org/hanafi/daruliftaa-birmingham/19779/husband-not-working/
إسلام واي. (بلا تاريخ). الزوج العاطل.
استرجع من: https://ar.islamway.net/article/88967/الزوج-العاطل
موقع استشارة شرعية. (بلا تاريخ). الزوج لا يعمل.
استرجع من: https://www.konsultasisyariah.net/konsultasi/detail/22490/suami-tidak-bekerja.html
موقع المسلمة نيوز. (2023، 12 أكتوبر). الزوج الذي لا يريد العمل، ما موقف الزوجة؟
استرجع من: https://www.muslimahnews.net/2023/10/12/23997/





