BlogMuslim Lifestyle

العُجب: كبرياء خفي وكيفية التخلّص منه

في مسيرة الإيمان، يُعدّ العُجب من أخطر أمراض القلوب الخفية. وهو شعور بالانبهار بالنفس والإعجاب بالعمل أو الذكاء أو العبادة، حتى ينسى المرء أن كل نعمة ونجاح إنما هي من الله تعالى. يختلف العُجب عن الكِبر الظاهر، فهو مرض داخلي خفي يُفسد الإخلاص ويُطفئ نور التواضع. إنه داءٌ صامت يجعل صاحبه يظن أنه صالح ومحبوب عند الله، بينما هو في الحقيقة يبتعد عن روح العبودية الصادقة. لذلك كان من الواجب على المؤمن أن يعرف هذا الداء ويجتهد في علاجه قبل أن يفسد قلبه وأعماله.

اقرأ: الأخلاق والإيمان:تكامل لا انفصام له

معنى العُجب وخطورته

العُجب في اللغة مأخوذ من “العَجَب”، أي الإعجاب بالنفس والانبهار بها. وفي الاصطلاح الشرعي، هو أن يرى الإنسان نفسه في عمله الصالح أو دنياه فينسى أن الفضل كله لله، فيُعجب بعلمه أو بعبادته أو بماله أو بمكانته. وهذا الشعور يجعل القلب يبتعد عن التواضع والخشوع، ويُظن أنه صاحب الفضل، فيغفل عن قوله تعالى:

﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾
(سورة الكهف: 104)

أي يظنّون أنهم محسنون، بينما هم في الحقيقة خاسرون، لأن نيتهم شُوّهت بالعُجب. إن هذا المرض يُبطل الأجر ويُغلق باب التوبة، لأنه يجعل العبد راضياً عن نفسه، غافلاً عن ضعفها.د.

اقرأ: النية الصحيحة في العمل وفق القيم الإسلامية

صور العُجب في الحياة

يظهر العُجب في صور كثيرة. فقد يُصاب به طالب العلم حين يُعجب بفهمه، وينسى أن العلم فضلٌ من الله، أو العابد الذي يُعجب بصومه وصلاته، ولا يتذكر أن التوفيق للعبادة هدية ربانية. وقد يُعجب الغني بماله، أو القائد بسلطانه، أو الداعية بأثره، حتى يتحول الخير إلى باب من أبواب الفتنة.

والخطر أن العُجب يتخفّى في ثوب الصلاح. فقد يقول الإنسان “الحمد لله”، ولكن في قلبه إعجاب بنفسه أكثر من شكرٍ لله. وكان السلف يقولون: العُجب أخوف على العامل من الذنب، لأن المذنب يتوب والعُجب يمنع التوبة.”

اقرأ: عندما تكون الصدقة أكثر قيمة من الثروة

آثار العُجب على النفس

العُجب يُنتج أمراضاً قلبية كثيرة، منها الغفلة عن التقصير، والغرور بالنفس، والركون إلى العمل دون خوف من القبول أو الرد. فيُغلق باب التزكية ويمنع القلب من التقدّم الروحي. كما أنه يُفسد الإخلاص، لأن العبادة حينها تصبح وسيلة لإرضاء النفس لا لرضا الله.

قال النبي ﷺ:

«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»
(رواه مسلم، 91)

وإن كان العُجب يختلف عن الكِبر، إلا أنه كثيراً ما يكون هو أصل الكبر. فكلاهما يولد من نسيان ضعف الإنسان وحاجته إلى الله عز وجل.

اقرأ: العمل الجاد في الإسلام

كيفية التخلّص من العُجب

الوقاية من العُجب تبدأ بالاعتراف بأن كل نعمة ونجاح إنما هو من الله وحده. فالعلم، والعبادة، والرزق، والقوة—all هي هبات إلهية، لا مكتسبات بشرية خالصة. يقول الله تعالى:

﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
(سورة النحل: 53)

فعندما يستقر هذا المعنى في القلب، تزول دوافع الغرور والعُجب، ويحلّ مكانها الشكر والتواضع. فالمؤمن الحقيقي لا يرى في نفسه فضلاً، بل يرى الفضل كله لله الذي هداه ووفقه.

ومن الوسائل المهمة كذلك التفكّر في التقصير. على الإنسان أن يراجع نفسه دائماً (محاسبة النفس)، فيتذكر ذنوبه وضعفه، لأن هذا الوعي يردّ النفس إلى حجمها الطبيعي، ويمنع تضخم الأنا. كما أن تذكّر أن الأعمال مهما كثرت لا تُقبل إلا برحمة الله يجعل العبد خاشعاً غير مغرور.

كذلك يجب على المؤمن أن يُجدد النية والإخلاص (الإخلاص) في كل عبادة وعمل. فيسأل نفسه: هل أفعل هذا طلباً لرضا الله أم لإعجاب الناس؟ هذا السؤال وحده كافٍ لتصفية القلب من شوائب العُجب. فالعمل المخلص يورث راحة، أما العمل الممزوج بالعُجب فيورث قلقاً وغروراً.

ومن الوسائل النافعة أيضاً التأمل في قصص المتكبرين في القرآن مثل قارون وفرعون وإبليس، فقد هلكوا لا لأنهم لم يملكوا العلم أو القوة، بل لأنهم نسوا أن نعمهم من الله. فالتدبّر في مصائرهم يُذكّر المؤمن بعاقبة الغرور ويزرع في قلبه التواضع.

وأخيراً، ينبغي الإكثار من الدعاء بطلب سلامة القلب. كما في الدعاء:

«اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي»


وهذا الدعاء حصن من العُجب والغرور، لأنه يُذكّر الإنسان بأن ضعفه جزء من طبيعته، وأن القوة كلها لله وحده. فكلما شعر المؤمن بالعُجب، فليتذكر أن الله قادر أن يسلب النعمة في لحظة، فيعود قلبه خاشعاً شاكراً.

الخاتمة

العُجب من أخطر أمراض القلوب، لأنه يتسلل إلى الصالحين دون أن يشعروا به. فهو يُحوّل العبادة إلى وسيلة للتفاخر، والشكر إلى إعجاب بالنفس. والنجاة منه تكون بالتواضع الدائم، وتذكّر أن كل خير هو من الله، وكل نجاح هو فضلٌ لا استحقاق.

المؤمن المتواضع يشكر الله على النعمة، أما المعجب بنفسه فيُثني عليها. وشتّان بين من يرى نفسه عبداً ضعيفاً وبين من يرى نفسه مستحقاً. فالحذر من العُجب واجب، وعلاجه يكون بالوعي، والتوبة، والدعاء، والاعتراف بفضل الله في كل حين.

لنستثمر في الشريعة الإسلامية على موقع zeedsharia.com

العُجب: كبرياء خفي وكيفية التخلّص منه
العُجب: كبرياء خفي وكيفية التخلّص منه

المراجع

Join Zeed Sharia

Devin Halim Wijaya

طالب ماجستير في المعهد الإسلامي للمصرفية والمالية الإسلامية | حائز على منحة نور-أوماتيك

مقالات ذات صلة

تحقق أيضاً
Close
Back to top button