المضاربة في المصارف الإسلامية
تعدّ المضاربة من أهم العقود في المالية الإسلامية، فهي تشكّل أساسًا مهمًا لعمليات التمويل والاستثمار في البنوك الإسلامية. تقوم المضاربة على الشراكة في الربح بين صاحب المال والمضارب، وفق نسب متفق عليها مسبقًا، وعلى تحمّل الخسارة من رأس المال ما لم يكن هناك تعدٍّ أو تقصير من المضارب. ويمثّل هذا النظام بديلًا عادلًا عن الفوائد الربوية المنتشرة في الأنظمة التقليدية، إذ يربط العائد بالنشاط الاقتصادي الحقيقي وليس بعوائد مضمونة.
ويؤكّد القرآن الكريم هذا المبدأ من خلال قوله تعالى في سورة النساء 29–30:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا • وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾
أي أن التعاملات المالية يجب أن تقوم على التراضي والعدالة والوضوح. وهذا ما تحققه صيغة المضاربة من خلال توزيع الربح والخسارة بشكل عادل بين الطرفين، مما يجعلها نموذجًا ماليًا يوازن بين الأخلاق والاقتصاد.
اقرأ: التوكل على الله في طلب الرزق
المفهوم الأساسي للمضاربة في المصارف الإسلامية
المضاربة هي عقد شراكة بين صاحب المال الذي يقدّم رأس المال، والمضارب الذي يتولّى تشغيله وإدارته. يتم توزيع الأرباح بحسب نسب متفق عليها، بينما يتحمّل صاحب المال الخسارة المالية ما لم يثبت تقصير أو إهمال من المضارب، ويتحمّل المضارب خسارته من جهده ووقته وخبرته.
تُستخدم المضاربة في جانبين من عمل المصرف:
الجانب الأول: جمع الأموال، حيث يكون العملاء هم أصحاب المال والمصرف هو المضارب.
الجانب الثاني: التمويل، حيث يصبح المصرف هو صاحب المال والعملاء هم المضاربون.
هذا التنوع في التطبيق يسمح للبنك بتوجيه الأموال العامة نحو الأنشطة الاقتصادية المنتجة، مع المحافظة على التزام كامل بأحكام الشريعة.
تطبيقات المضاربة في المصارف الإسلامية
تظهر صيغة المضاربة في عدة منتجات مصرفية، سواء في جانب الودائع أو جانب التمويل. وجميع هذه الصيغ تعتمد على الشفافية، وتحديد نسب الربح مسبقًا، والالتزام بمنع الربا.
من أبرز التطبيقات الودائع الاستثمارية (الودائع لأجل)، حيث يقوم العميل بإيداع أمواله في المصرف دون تقييد لنوع النشاط الاستثماري. يقوم المصرف بتشغيل المال في أنشطة مشروعة شرعًا، ثم يوزّع الأرباح وفق النسبة المتفق عليها. هذا يوفّر للعميل عائدًا حلالًا قائمًا على الأداء الفعلي، بعيدًا عن الفائدة الثابتة.
كما تُستخدم المضاربة في حسابات الادخار المنتظم، وهي مناسبة للأفراد الذين لديهم أهداف مالية مستقبلية مثل التعليم أو الزواج أو الحج. يقدّم العميل إيداعات دورية، ويتولّى المصرف تشغيل الأموال، ثم يوزّع حصص الأرباح وفق دورية معينة. يجمع هذا المنتج بين الادخار والانضباط المالي، والعائد الاستثماري الحلال.
أما في تمويل رأس المال العامل، فيقدّم المصرف رأس المال للأنشطة التشغيلية مثل شراء المواد الخام أو المستلزمات الإنتاجية. يدير العميل النشاط ويقدّم تقارير دورية عن الأداء، بينما يتم توزيع الأرباح وفق النسبة المتفق عليها. وإذا حدثت خسارة دون تقصير، يتحملها المصرف بصفته صاحب المال. هذه الصيغة تدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لأنها لا تفرض أقساطًا أو فوائد ثابتة.
كما تُستخدم المضاربة في التمويل الاستثماري طويل الأجل، مثل التوسع في المشاريع أو شراء الأصول الإنتاجية. يتطلّب البنك خلال هذا النوع من التمويل دراسات جدوى، وتوقعات مالية، وتقارير متابعة. ويتم توزيع الأرباح بناءً على العائد الحقيقي للمشروع. هذه الصيغة تشجّع على مشاريع طويلة الأمد وتدعم النمو المستدام.
ولضمان الشفافية، يقوم المصرف بعمليات متابعة تشمل التقارير المالية، وزيارات ميدانية، ومراجعات دورية. الهدف من هذه الرقابة ليس تقييد المضارب، بل حماية حقوق الطرفين والتأكد من حسن استخدام رأس المال.
مزايا المضاربة في النظام المالي الإسلامي
تساهم المضاربة في تعزيز العدالة من خلال مبدأ تقاسم المخاطر. فهي لا تُحمّل المدين أعباء فوائد ثابتة، بل تجعل العائد مربوطًا بالأداء الفعلي للمشروع. وهذا يشجّع على ريادة الأعمال، ويخفّف الضغط المالي، ويدعم اقتصادًا أكثر شمولًا.
وتبني المضاربة علاقة شراكة بدلًا من علاقة دائن–مدين، مما يعزّز الثقة والتعاون بين الأطراف. كما أنها تساعد على خلق توازن بين النمو الاقتصادي والالتزام الأخلاقي، وهو ما يجعلها صفة مميزة للنظام المالي الإسلامي.
اقرأ: قصة عمر بن الخطاب : حدائق النخيل تتحرر والصلوات تحرس
الخاتمة
يمثل تمويل المضاربة ركيزة أساسية في المصارف الإسلامية، لأنه يجمع بين العدالة الاقتصادية والالتزام الشرعي. ومن خلال آليات توزيع الربح، والمتابعة، والشفافية، تصبح المضاربة أداة فعّالة لدعم الأنشطة الاقتصادية، سواء في الودائع أو الادخار أو التمويل الإنتاجي أو الاستثماري. وفهم هذا العقد وتطويره يعزّز قدرة النظام المالي الإسلامي على تقديم نموذج اقتصادي أكثر رحمة واستدامة وفعالية.
نسأل الله ﷻ أن يبارك في أموال المسلمين وأن يوفّقهم إلى الكسب الحلال.
لنستثمر في الشريعة الإسلامية على موقع zeedsharia.com

المؤلف: ديفين حليم ويجايا
مستشار شرعي مستقل
المراجع
CIMB Niaga Syariah. (n.d.). Akad mudharabah: Salah satu akad yang perlu Anda ketahui. https://www.cimbniaga.co.id/id/inspirasi/perencanaan/akad-mudharabah-adalah-salah-satu-akad-yang-perlu-anda-ketahui
ICDX. (n.d.). Apa itu mudharabah dan contohnya dalam perbankan syariah. https://www.icdx.co.id/news-detail/publication/apa-itu-mudharabah-dan-contohnya-dalam-perbankan-syariah
Kompas.com. (2022). Pengertian mudharabah dalam pembiayaan bank syariah. https://money.kompas.com/read/2022/02/22/170800926/pengertian-mudharabah-dalam-pembiayaan-bank-syariah
UIN Alauddin. (n.d.). Konsep bagi hasil dalam ekonomi Islam. https://pbs.febi.uin-alauddin.ac.id/artikel-465-konsep-bagi-hasil-dalam-ekonomi-islam





