النسوية الحديثة ومخاطرها من منظور الإسلام
في عالم اليوم، أصبحت النسوية الحديثة شعارًا يرفعه كثيرون باسم تمكين المرأة، والمطالبة بالحرية والمساواة، واستعادة “الحقوق” المفقودة. لكن من منظورٍ إسلامي، لا تُقاس الحركات بما ترفعه من شعارات، بل بما تثمره من نتائج على الإنسان والمجتمع. والسؤال الحقيقي: هل تؤدي النسوية الحديثة إلى نهضة المرأة في إطار الفطرة والكرامة؟ أم إلى انفصالها عن قيمها ودورها الطبيعي في منظومة الحياة التي رسمها الله تعالى؟
قال الله سبحانه وتعالى:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
(سورة الحجرات: 13)
تُذكّرنا هذه الآية أن الكرامة لا تُقاس بالجنس، بل بالتقوى. فالرجال والنساء في الإسلام سواء في القيمة الإنسانية، لكنّهم مختلفون في الوظائف والقدرات، اختلافًا تكامليًا لا تناقضيًا. أما النسوية الحديثة، فقد سعت في كثير من أطروحاتها إلى إلغاء هذا التمايز الفطري، وجعل المساواة بمعنى “التطابق”، لا بمعنى “العدل”. وهنا تبدأ المشكلة.
اقرأ: التقوى: أقوى درع في مواجهة المنافسة التجارية
مفهوم النسوية الحديثة وأوجه الخطر فيها
النسوية الحديثة — كما ورد في العديد من المقالات — تجاوزت فكرة المطالبة بالحقوق المشروعة إلى السعي لطمس الفوارق بين الرجل والمرأة في كل المجالات. وكما ذكرت في المقالة عن “النسوية السامة”، فقد تحوّل بعض التيارات إلى رفضٍ تام لفكرة التكامل بين الجنسين، بل إلى دعوةٍ لانفصال المرأة عن الرجل تمامًا تحت شعار “المرأة لا تحتاج إلى الرجل”.
هذا الفكر الذي يبدو في ظاهره تحررًا، يحمل في باطنه عزلةً وصدامًا بين الجنسين، لا تعاونًا. وقد حذّر بعض المفكرون من ظاهرة “الفيمينازية” — أي النسوية المتطرفة التي تبني خطابها على الكراهية والعداء تجاه الرجال. من منظور الإسلام، هذه الحالة تتناقض مع مقاصد الشريعة، لأنّ الله خلق الرجل والمرأة ليكونا شريكين في البناء، لا خصمين في الصراع.
اقرأ: التضامن الإسلامي في الأوقات العصيبة
لماذا يحذّر الإسلام من هذه الموجة؟
الإسلام لا يعارض تقدّم المرأة ولا مشاركتها في المجتمع، بل يكرّمها علمًا وعملاً ومكانة. غير أنّه يفرّق بين التمكين المنضبط بالقيم والتحرّر المنفلت من القيم. فحين يُرفع شعار “الحرية المطلقة” دون ضوابط دينية، يتحول إلى فوضى تُفقد الإنسان هويته وتجرّده من مسؤوليته.
أشارالعلماء إلى أن الإسلام يعترف بالمساواة في القيمة والكرامة، لكنه لا يساوي بين الجنسين في الأدوار الفطرية.
فلكلٍ طبيعته ووظيفته التي خُلقت لتحقيق التوازن الاجتماعي. وإذا ما تمّ إنكار هذه الفطرة، تبدأ مظاهر الاضطراب:
تفكك الأسرة، تشتّت الأدوار، وضياع الإحساس بالهوية.
وقد وضع الإسلام مبدأي العدل (الْعَدْل) والميزان (الْمِيزَان) لضمان الاستقرار بين الجنسين. أما الفكر النسوي المعاصر فيسعى إلى هدم هذا التوازن باسم المساواة، في حين أنّ الحرية في الإسلام ليست التحرر من الضوابط، بل الانضباط طوعًا لحكمة الله تعالى.
اقرأ: الانضباط المالي في المنظور الإسلامي
إعادة تعريف التمكين الحقيقي للمرأة
كيف يمكن للمرأة المسلمة أن تتعامل مع هذا الواقع؟
الحل ليس في رفض التمكين، بل في إعادة تعريفه وفق القيم الإسلامية. فالتمكين في نظر الإسلام هو أن تكون المرأة قوية في إيمانها، واعية في علمها، مؤثرة في مجتمعها، مع محافظة على حيائها وهويتها.
يمكن للمرأة أن تتعلّم، وتعمل، وتشارك في الحياة العامة، بشرط ألا تفقد ملامحها كمسلمة. القوة الحقيقية ليست في تقليد الرجل، بل في الثبات على المبدأ مع الإنتاج والعطاء. فالمرأة في الإسلام شريكة الرجل في المسؤولية، ومكمّلة له في الأدوار، وحافظة لكرامته كما يحفظ كرامتها.
الإسلام لا يقيّد المرأة، بل يوجّهها نحو التوازن. فالحرية بلا قيم تؤدي إلى الفساد، كما أن الطاعة بلا فهم تؤدي إلى الجمود.
ومن هنا، يقدّم الإسلام طريقًا وسطًا: حرية مسؤولة، وتمكين متزن، وهوية قائمة على الإيمان.
اقرأ: موقف المسلم في وسط الفوضى
الخاتمة
لقد بدأت النسوية كحركة تطالب بالعدالة، لكن النسوية الحديثة تجاوزت العدالة إلى الصدام، وتحوّلت من مناداةٍ بالمساواة إلى معركةٍ للهيمنة. وحين تُفقد الأسرة مكانتها، وتُلغى الفطرة، يصبح المجتمع في خطرٍ حقيقي.
أما الإسلام، فيبقى على موقفه الثابت: الرجال والنساء سواء في الكرامة، مختلفون في الطبيعة، متكاملون في الهدف.
الغاية ليست التفوّق أو السيطرة، بل التعاون في عمارة الأرض على أساس التقوى. التمكين الحقيقي هو أن تعرف المرأة قيمتها من خلال خالقها، لا من خلال تيارٍ يبدّل معانيها كل يوم. فمن أطاعت ربها وحافظت على فطرتها، فهي أقوى وأكرم من كل شعارٍ يُرفع باسم الحرية.
والله أعلم.
بارك الله فيكم.
المؤلف: ديفين حليم ويجايا
المستشار الشرعي المستق

لنستثمر في الشريعة الإسلامية على موقع zeedsharia.com
Instagram: @devinhalimwijaya
Linkedin: @devinhalim
المراجع
BincangPerempuan.com. (بلا تاريخ). Feminazi dan Bahayanya bagi Gerakan Perempuan.
https://bincangperempuan.com/feminazi-dan-bahayanya-bagi-gerakan-perempuan/
AyatAcademy.net. (بلا تاريخ). Feminism in Islam.
https://ayatacademy.net/feminism-in-islam/
Coach-G. (بلا تاريخ). Toxic Feminism.
https://coach-g.com/conscious-women-coaching/toxic-feminism/
SaratogaFalcon.org. (بلا تاريخ). The Issue of Modern Feminism – Don’t Mistake Progress for Exploitation.
https://saratogafalcon.org/27957/opinion/the-issue-of-modern-feminism-dont-mistake-progress-for-exploitation/
Phillipian.net. (2023، مارس 24). The Flaws of Modern Feminism.
https://phillipian.net/2023/03/24/the-flaws-of-modern-feminism/





