في عالم اليوم أصبح الانتباه سلعة ثمينة. منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات ووسائل الترفيه تتسابق لاقتناص ثوانٍ من تركيز الإنسان. هذا الصراع المستمر على عقول الناس أنتج ما يُعرف بـ”اقتصاد الانتباه”، حيث يُستغل التركيز البشري ويُباع ويُشترى.
الإسلام يعترف بقيمة الانتباه، لا كسلعة تجارية، بل كأمانة (أمانة). يقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36).
تؤكد هذه الآية أن السمع والبصر والقلب سيُسألون يوم القيامة، مما يعني أن توجيه انتباهنا جزء من مسؤوليتنا أمام الله.
في زمن يغمره التشويش والإغراءات، التحدي الأكبر للمسلم هو حماية انتباهه وتوجيهه لما يحقق الغاية، بدلًا من أن يُستنزف في أمور سطحية.
اقرأ: التعاطف بين المسلمين في الإسلام
مخاطر السعي وراء الانتباه
من أبرز سلبيات عصر الانتباه اللهاث وراء الشهرة والاعتراف الاجتماعي. وسائل التواصل ضاعفت هذا الأمر، إذ تكافئ الناس بالإعجابات والمتابعين، مما يغذي حب الظهور ويضعف الإخلاص.
الإسلام يحذر من الرياء وطلب السمعة. فالأعمال التي تُبتغى بها رضا الناس تخلو من الثواب عند الله. وقد وصف النبي ﷺ الرياء بأنه شرك خفي. وحين يصبح الانتباه غاية بحد ذاته، يضيع الإخلاص ويضطرب القلب، لا يشبع من التقدير الخارجي.
كذلك فإن السعي وراء الانتباه يولّد القلق والحزن. من يجعل قيمته مرهونة بآراء الآخرين يعيش مضطربًا. أما الإسلام فيعلّم أن الطمأنينة الحقيقية تأتي من الرضا بحكم الله، والعمل لمرضاته وحده، لا لمديح الناس الزائل.
اقرأ: العمل الجاد في الإسلام
تدريب العقل والقلب
في الرؤية الإسلامية، الانتباه ليس مجرد تركيز عقلي بل هو أيضًا توجه روحي. ولتربية الانتباه وضبطه، شرع الإسلام عبادات تُدرّب النفس على الحضور مع الله. فالصلوات الخمس، وقراءة القرآن، والذكر، كلها تمارين يومية تربط القلب بالحق وتبعده عن الغفلة.
الصلاة مثلًا تُعتبر تدريبًا عمليًا على إدارة الانتباه. ففي كل ركعة يتعلم المسلم أن يقطع مع التشويش الخارجي ويعود إلى حضرة الله. الصيام بدوره يوجّه الانتباه من الشهوات الجسدية إلى قيم الانضباط والتقوى.
علم النفس المعاصر يشجع على ممارسات مثل تقليل المهام المتعددة أو ممارسة اليقظة الذهنية، بينما الإسلام يضيف إلى هذه الممارسات عمقًا روحيًا، فيحث المؤمن على أن يعيش حاضرًا مع نية صافية، متجنبًا الغفلة، وموجهًا انتباهه نحو العلم النافع والعمل الصالح.
اقرأ: كيفية تجنب عقلية الثراء السريع في الاستثمار
نحو ثقافة جماعية تتجاوز التشتت
ليست قضية الانتباه فردية فحسب، بل مجتمعية أيضًا. فما يشد انتباه الناس يشكّل ثقافة المجتمع. إذا انشغلت الأمة باللهو والسطحية، ضاعت القيم الكبرى مثل الحق والعدل.
الإسلام يحث على بناء ثقافة جماعية تركز على الإخلاص والعلم والنفع المتبادل. القادة والمربون مسؤولون عن توجيه اهتمام الناس نحو ما ينفعهم في الدنيا والآخرة. كما أن للأسرة دورًا رئيسيًا في تربية الأطفال على أولويات سليمة، تجعل الانتباه منصبًا على الإيمان والمعرفة وخدمة الآخرين، لا على الاستعراض والموضة.
هذا لا يعني رفض التكنولوجيا، بل استخدامها بوعي. الهدف أن نستعيد السيطرة على انتباهنا، فنوجهه بما يتماشى مع أخلاق الإسلام ورسالة الإنسان في الحياة.
اقرأ: الأخلاق والإيمان:تكامل لا انفصام له
الخاتمة
لقد أصبح الانتباه عملة نادرة في زمن يستهلكه الضجيج والمنافسة. لكن الإسلام يمنح المؤمنين بوصلة واضحة: حفظ الانتباه وتوجيهه نحو ذكر الله والعمل الصالح والغاية الحقيقية للوجود. فالقرآن يذكرنا أن السمع والبصر والفؤاد كلها مسؤولية يوم القيامة، وهذا يرفع الانتباه من مجرد عادة إلى عبادة.
مطاردة الشهرة والانتباه قد تعطي شعورًا مؤقتًا بالرضا، لكنها تُضعف الإخلاص وتزيد القلق. بينما الصلاة والذكر والتوكل يعيدون للمؤمن السيطرة على قلبه وعقله.
في لعبة الانتباه الحديثة، المسلم الرابح هو من يختار الإخلاص والغاية والقرب من الله على حساب تصفيق الناس الزائل. فالانتباه في الإسلام ليس مجرد تركيز، بل هو مقياس لوجهة القلب وأولوياته.
لنستثمر في الشريعة الإسلامية على موقع zeedsharia.com
المراجع
British School of Barcelona. (2021). Attention development: Importance and strategies. https://www.britishschoolbarcelona.com/blog/attention-development-importance-and-strategies/
Cedar Ministry. (2020). The danger of chasing popularity. https://cedarministry.org/the-danger-of-chasing-popularity/
El Kuator. (2021). Game of attention. https://elkuator.com/game-of-attention/
Millions Vision. (2020). Social media: A game of attention. https://medium.com/@millions.vision/social-media-a-game-of-attention-dcf2f9227907
القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية 36.