هذا هو شكل من أشكال الشرك المعاصر المتخفي
يقولون إن رزقهم من الله، لكنهم ما زالوا يبحثون عن طريقة لزيادة مبيعاتهم. يقولون إنهم يريدون مكافأة العمل الجاد المشروع، لكنهم بدلاً من ذلك يأملون في أشياء جامدة.
هل سبق لك أن قابلت شخصًا يقول “بسم الله” كل صباح، ولكن عندما يرى تميمة أو رقمًا محظوظًا أو سلعة رائجة، تشرق عيناه؟ أحيانًا نبتسم ابتسامة خفيفة، ولكن قد نتساءل في قلوبنا: “هل أنت جاد؟ رزقك من الله ﷻ ، وقلبك يتوق إلى الجمادات؟”
هذا هو وجه الشرك المعاصر. ليس في الكهوف المظلمة، ولا في الطقوس القديمة البعيدة عن الحياة اليومية. بل في المتاجر ذات الإضاءة الساطعة، وفي واجهات المتاجر المزدحمة، وفي ما يُفترض أنه عالم رقمي “عملي وحديث”. يدّعي الناس إيمانهم بالله ، لكنهم عمليًا يعتمدون على المانترا والتمائم وغيرها من الأدوات لزيادة مبيعاتهم. ألسنتهم تتحدث عن التوحيد، لكن قلوبهم لا تزال تشك في الله نفسه .
أحيانًا، لا يضيع التوحيد لعدم فهم الناس له، بل لخوفهم من الفشل. خوفًا من عدم زيادة المبيعات، وخوفًا من التفوق على المنافسين في المبيعات، وخوفًا من انعدام الأمان في فرص العمل. في النهاية، يفضل الناس “الضمانات الفورية” على الثقة الحقيقية.
“بسم الله” على الشفاه، “تميمة” في المعرض
لنكن صريحين، هذه الممارسة شائعة بيننا. من الشركات الصغيرة إلى الشركات الكبيرة، يعلقون تمائم على صناديق الدفع، ويضعون أرقام الحظ على واجهات العرض، أو يتبعون طقوسًا معينة لزيادة المبيعات. كل هذا يُخفى تحت ستار “مجرد إضافات”، أو “لتحفيز الحماس”، أو “تقليد تجاري متوارث جيلًا بعد جيل”.
وفي الحقيقة قال رسول الله ﷺ :
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِى الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِىَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِى الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ ( حديث رواه ابن ماجه ).
التوكل على الله ليس مجرد كلام معسول، بل هو إيمان راسخ بأن الرزق والتوفيق والبركات من عند الله وحده . فعندما نضع رجاءنا في الجمادات أو الطقوس المحرمة، يغيب جوهر التوكل على الله.
تخيّل رجل أعمال يُنفق ملايين الروبيات على طقوسٍ لتعزيز المبيعات، بينما رأس ماله الرئيسي هو العمل الجاد والتخطيط الاستراتيجي والدعاء الصادق. أليست هذه مفارقة خفية لكنها حقيقية؟ الأمر أشبه بشراء تذكرة حظٍّ بينما ينسى شراء تذكرة عمل حقيقية.
اقرأ أيضًا: نمط حياة ذكي: إدارة أموالك للنمو
“الطقوس الفورية” مقابل واقع الأعمال
كثيراً ما يقول الناس: “إذا استخدمت هذا، ستزداد مبيعاتك بالتأكيد”. لكن الحقيقة هي أنه لا شيء يُغير قوانين الاقتصاد والأعمال التي وضعها الله ﷺ . هذا النهج السريع قد يُؤدي بنا إلى إهمال مبادئ الشريعة: الصدق، والعمل الجاد، والصلاة.
الله ﷻ :
وَمَا تَأْكُلُونَ مِمَّا أَمْلَكْنَا لَكُمْ فَمِنْهُ تَسْتَقْسِمُونَ ( سورة المزمل [73]: 20)
كل نعمة مُقدّرة. والاعتماد على التمائم أو الطقوس ليس إلا شكلاً خفياً من عدم الثقة. نخشى الفشل، فنلجأ إلى “الطرق المختصرة”. لكن في عالم الأعمال، عادةً ما تؤدي الطرق المختصرة إلى طريق مسدود.
وقد قال أحد العلماء القدماء: “من ترك العمل بالشريعة متوكلاً على غير الله فقد ضل عن سواء السبيل”. وهذا يعني أننا لا نفقد النعم فحسب، بل نضعف إيماننا أيضاً.
اقرأ أيضًا: كيف تحلل ما إذا كانت الشركة صالح للاستثمار
الخوف من الفشل أم الشرك الخفي؟
في الواقع، يمارس كثير من الناس هذه الثنائية الروحية ليس عن جهل. يعلمون أن الرزق من الله ﷻ ، لكنهم يخشون الفشل. عندما يتراجع دخلهم، يصابون بالذعر ويلجأون إلى التمائم والترانيم والطقوس الفورية.
هل هذا حلٌّ حقًّا؟ أم هو مُجرّد إلهاءٍ عن كفرنا؟ ننسى أن كلّ صعوبةٍ في العمل هي اختبارٌ ودليلٌ على محبّة الله .
عندما تنخفض المبيعات، يكون ذلك تمرينًا على الصبر. عندما يتفاوض العملاء، يكون ذلك تمرينًا على الثقة. عندما تشتد المنافسة، يكون ذلك تمرينًا على الصدق والاستراتيجية.
النبي ﷺ :
مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَ لَهُ بسبعمائةِ ضِعْفٍ ( مشكاة المصابيح )
تخيّل لو أن الطاقة والوقت ورأس المال اللازمين لمشروع تجاري مشروع ومبتكر حُوِّلا إلى بيع المنتجات. لن نخسر المال فحسب، بل سنخسر أيضًا البركات وراحة البال.
اقرأ أيضًا: ما هي مبادئ وارن بافيت في الاستثمار ؟
خاتمة
يا أصحاب الأعمال، دعونا نتأمل لحظة. قد يقول اللسان “بسم الله”، لكن القلب يجب أن يؤمن إيمانًا راسخًا بأن الرزق من الله ﷻ . لا تدعوا الخوف من الفشل يدفعنا إلى تعليق آمالنا على أشياء جامدة. الثقة ليست مجرد كلام، بل هي ممارسة عملية: العمل الجاد، والدعاء الصادق، والصدق في العمل.
تذكروا، النعم لا تُشترى. النعم تأتي بالتوكل التام على الله ، لا باللجوء إلى طرق مختصرة تبدو عملية لكنها شرك. العمل المبارك هو العمل الحلال الصادق المبني على الثقة والأمانة.
كما قال الإمام الغزالي:
«إن النجاح الدنيوي الذي يتحقق بالشرك باطل، وإنما النجاح السعيد هو الذي ينشأ عن الإخلاص والتوكل على الله » .
فلنُطهّر قلوبنا من التمائم والشعائر المضلة. ولنؤمن بأن كل نعمة، وتوفيق، ونجاح، أمانة من الله ﷻ ، لا من جماد. وهكذا، لن تكون أعمالنا مربحة فحسب، بل مصدر ثواب وراحة بال.
اقرأ أيضًا: كيفية كسب الدخل الحلال في الأوقات الصعبة
لنستثمر في الشريعة الإسلامية على موقع zeedsharia.com

مرجع:
القرآن. الكريم
. https://quran.com/
ابن ماجه. سنن ابن ماجه، الحديث رقم. 2144. الوصول إليها من
https://sunnah.com/ibnmajah:2144
مشكاة المصابيح، حديث رقم 3826. تم الوصول إليه من
https://sunnah.com/mishkat:3826
الغزالي. يحيى علم الدين . بيروت: دار الكتب العلمية، 2000. الوصول إليها من
https://archive.org





