BlogIslamic Finance

الإدارة المالية كعامل أساسي للنجاح المالي

أحيانًا أتساءل: “كيف يُمكننا أن ننجح ماليًا والنظام من حولنا لا يزال قائمًا على الربا وبعيدًا عن الشريعة؟” الأمر ليس سهلًا بالتأكيد، وفي الواقع، يتطلب تغيير النظام كفاحًا طويلًا. ولكن في خضم كل هذا، لا يُمكننا الجلوس مكتوفي الأيدي أو انتظار أن يصبح كل شيء مثاليًا فيما يتعلق بإدارة أموالنا. هناك التزامات شخصية يجب الوفاء بها، وغالبًا ما تكون هذه الالتزامات هي الأقرب إلينا.

إن توفير القوت الحلال وإيتاء الزكاة واجبان ماليان لا يمكن تأجيلهما. لذلك، وبينما نواصل سعينا نحو التغيير الشامل، يجب علينا الحفاظ على الأمور الأقرب إلينا والتي تقع ضمن سيطرتنا. وهنا تحديدًا تكمن أهمية الإدارة المالية، لضمان عدم إهمال تقوانا، حتى في أصغر الأمور.

لذا، فإن الإدارة المالية نحو النجاح المالي تتلخص في الالتزام الواعي والمستمر بجميع الالتزامات، دون اختلاق الأعذار. قد لا يكون النظام مثاليًا، وقد تكون التحديات كثيرة، ولكن إذا لم نفكر في الالتزامات الأكثر إلحاحًا ونلتزم بها، فقد تكون خطواتنا منحرفة، وغير مباركة، وبلا معنى.

تشبيه المشكلة بالفعل

تخيل أن منزلك يبتل فجأةً في يومٍ ماطر. ستصبح الأرضية زلقة وموحلة، وسيتضرر أثاثك. أنت تعرف السبب، أليس كذلك؟ إنه تسرب في السقف.

إذا أردتَ إتمامه، فمن البديهي أن تُصلِح بلاط السقف. لكن، مهلاً… هذا ليس بالأمر السهل؛ فهو يتطلب جهدًا ووقتًا وعملية طويلة، أليس كذلك؟

إذن، هل سنترك الأرضية تبتل حقًا؟ بالطبع لا. يمكننا إيجاد حل مؤقت: توفير دلو أو ممسحة أو قطعة قماش لمنع تفاقم الفوضى. الأمر سهل، لكن فوائده فورية بينما نواصل محاولة إصلاح بلاط السقف.

حسنًا، هذا يُشبه إلى حد كبير وضعنا المالي الحالي. فالنظام المُعطّل يُسرّب الأموال، والتضخم مرتفع، والربا منتشر، والمعايير العامة لا تُبنى على ما يُشكّل حلالًا وحرامًا. وهذا يُؤثّر أيضًا على مواردنا المالية، إذ يُصبح تكوين الثروة الحلال صعبًا.

لكن هل يجب أن نركز فقط على بلاط السقف؟ إصلاحات النظام مهمة، لكن العملية طويلة وليست فورية. في هذه الأثناء، تبقى الأرضية مبللة! لذلك، بينما نعمل على إصلاح بلاط السقف، يجب علينا أيضًا الاهتمام بالأرضية: إدارة مالية شخصية منضبطة، وإدارة النفقات، وتخصيص الأموال للاحتياجات الأساسية، وحالات الطوارئ، والاستثمارات الحلال، والصدقات. بهذه الطريقة، تبقى الأرضية جافة حتى لو لم تكن بلاطات السقف مثالية.

السؤال الآن هو: كيف يمكنك تطوير استراتيجية مالية تظل مربحة مع الاستمرار في السعي لتغيير النظام؟

أولاً، الإدارة المالية المبنية على الالتزامات المالية

عند الحديث عن النجاح المالي، غالبًا ما يتبادر إلى ذهن الناس فورًا راتبٌ كبير، أو مشروعٌ ناجح، أو استثماراتٌ مربحة. إلا أن الأساس الأهم هو الالتزام المالي الشخصي . وهو أمرٌ لا يقبل المساومة، فهو التزامٌ شرعي.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
:
( كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول ) (رواه أبو داود )

هذا يعني أنه مهما قلّت ثروتنا، يجب أن تبقى الواجبات من الأولويات : توفير الطعام الحلال لأسرنا، ودفع الزكاة، وغيرها من الواجبات الشرعية. لا ينبغي إهمال هذه الأمور الأساسية، فهي الأساس الحقيقي لنجاح المسلم المالي.

لذلك، علينا أن ننتبه لكل دور في حياتنا، بما في ذلك الالتزامات المالية. حينها فقط سنرى ما يُمثل النجاح المالي الحقيقي : عندما تُنعم علينا الثروة، ويُصبح طريقنا مستقيمًا، وتظل نضالاتنا العظيمة ثابتة.

لذا، فإن الإدارة المالية ضرورية للوفاء بالتزاماتنا الأساسية على الأقل. ومن هنا، تبدأ أبواب الخير بالفتح.

اقرأ أيضًا: الاستقلال المالي والتقاعد المبكر في القيم الإسلامية

ثانيًا، الإدارة المالية لأكثر من مجرد الاحتياجات الأساسية

إذا تم تلبية الاحتياجات الأساسية، كنفقات المعيشة والزكاة وغيرها من الضروريات، فمن الطبيعي أن ترغب في المزيد: العمل بجدّ أكبر، أو السعي وراء عمل أكثر جدّية، أو الاستثمار في خيارات حلال. لكن لا تفقد تركيزك، وتبحث باستمرار عن المال، وتنسى “البلاطة المتسربة” الأكبر.

هنا نحتاج إلى التفكير السليم. لا تنظروا إلى الدنيا كمكان للراحة فحسب، فالدنيا دار، والآخرة مصير. يقول الله ﷻ :

وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا
“وابتغ فيما آتاك الله سعادة الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا” (سورة القشاش : 77)

تُذكرنا هذه الآية في الواقع بأن جميع رحلات الدنيا مُقدَّرةٌ للآخرة. لم يُخلق هذا العالم للهجر، بل لِيُعاش بِصلاحٍ ليكون رزقًا. فالخط الزمني واضح: نعيش في الدنيا أولًا، ثم ندخل الآخرة.

لذا، لا تنظروا إلى الدنيا كمصدر راحة فحسب، بل عيشوها بالتقوى. فالعمل الجاد، والسعي الحلال، وحتى الاستثمار الصادق – ما دامت النية لله ووفق الشريعة الإسلامية – كلها عبادات. الدنيا حقلٌ لن نجني ثماره إلا في الآخرة. فإذا قضينا الدنيا بالتقوى، كان الحصاد – بإذن الله – الجنة.

اقرأ أيضًا: أهمية تجنّب الدَيْن الاستهلاكي

ثالثًا، الإدارة المالية من أجل نضال أكبر

إذا لُبيت احتياجاتنا الأساسية، وتدفق دخلنا الحلال، واستقرت استثماراتنا الحلال، فلا نتوقف عند هذا الحد. ففي النهاية، سيُسألنا الله عن أموالنا :

وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَه ُ
“… وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه” ( الترمذي )

هذا الحديث يدل بوضوح على أن الإدارة المالية لا تعني فقط التفكير في الأموال التي تدخل إلى المنزل، بل تعني أيضًا معرفة أين تخرج الأموال.

هنا يكمن الصراع الأكبر. لا يقتصر قلقنا على الأرضية (التزام مالي أساسي)، بل علينا أيضًا أن نتذكر أن السقف لم يُصلَح كما ينبغي. ولا شك أن مكافأة إصلاح هذا السقف المتسرب هائلة. هذا يعني أن بذلنا جهدًا كبيرًا في البحث عن موارد حلال يُعدّ خسارة فادحة إذا لم نُخصّصها لأمور تدعم هذا الصراع، الذي يحمل في طياته مكافأةً عظيمة.

لذا، إذا كانت الأرضية نظيفة لكن السقف يُسرب، فسيستمر المنزل في الغرق مع مرور الوقت. وبالمثل، إذا رضينّا بما يكفينا فقط دون التفكير في معاناة المجتمع، فستؤثر علينا التسريبات أيضًا.

لذا، فإن النجاح المالي للمسلم لا يقتصر على الاستقلال الشخصي فحسب، بل يشمل أيضًا الاستعداد للمساهمة في قضية أسمى. وهنا تكتسب حياتنا قيمة أكبر: فالثروة وسيلة عيش، والكفاح سبيلٌ إلى التقوى.

اقرأ أيضًا: العمل الجاد في الإسلام

خاتمة

إذا تأملتَ الأمر، ستجد أن النجاح المالي لا يقتصر على امتلاك حساب توفير كبير. بل يكمن السر في كيفية الوفاء بجميع التزاماتنا المالية على أكمل وجه: توفير عيشٍ كريم، ودفع الزكاة والصدقات، وحتى الاهتمام بمشاكل المجتمع.

نعم، النظام الحالي أشبه بسقف متسرب. لكن هذا ليس سببًا للتوقف. إذ علينا إدارة كلٍّ من الأرض والسقف معًا. هذا يعني أن جميع الالتزامات، الشخصية منها والكبيرة، يجب إدارتها بشكل منهجي لضمان إمكانية تحقيقها.

لذا، يكمن السر في الإدارة المالية السليمة . ما دامت نوايانا صافية، بإذن الله، فإن كل خطوة مالية نتخذها لن تُحسّن من أنفسنا فحسب، بل ستُسهم أيضًا في نضال أكبر. وهذا هو الطريق إلى حياة هانئة.

اقرأ أيضًا: البدء الأعمال: ابدأ بالنية، وليس فقط بالربح

الإدارة المالية كعامل أساسي للنجاح المالي
الإدارة المالية كعامل أساسي للنجاح المالي

لنستثمر في الشريعة الإسلامية على موقع zeedsharia.com

مرجع:

القرآن الكريم. تم الوصول إليه من https://tafsirweb.com/7127-surat-al-qashash-ayat-77.html
الترمذي، محمد بن عيسى. سنن الترمذي . يمكن الوصول إليه من https://sunnah.com/tirmidhi:2417
أبو داود، سليمان بن الأشعث. سنن أبي داود. تم الاسترجاع من https://sunnah.com/riyadussalihin%3A294 

Join Zeed Sharia

Redha Sindarotama

مقرئ قرآني يعيش في يوغياكارتا. يعمل بنشاط في تعليم ونشر جمال الإسلام

مقالات ذات صلة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تحقق أيضاً
Close
Back to top button