هل رأيت يومًا صديقًا ازدهر عمله التجاري، وارتفع دخله، وازداد زبائنه وفاؤهم له، ثم شعرت في قلبك بحرارة خفيفة؟ ربما تسلّل إلى النفس همسٌ يقول, لِمَ هو يستطيع وأنا لا؟
ذلك الشعور طبيعيّ، فقد يطرق أبواب قلوبنا بين الحين والآخر. لكن الأهمّ ليس في كوننا نشعر بالغيرة أو لا، بل في إلى أين نوجّه هذه الغيرة.
في الإسلام، الغيرة ليست دائمًا مذمومة. فهناك نوعٌ من الغيرة المحمودة تُسمّى الغبطة، وهي أن يتمنّى المرء مثل نعمة أخيه من غير أن تزول عنه. هذه الغيرة لا تحمل الحقد، بل تدفع صاحبها إلى أن يكون أفضل، بطريقةٍ يرضاها الله ﷻ.
فإذا أحسن القلب إدارة الغبطة، تحوّلت الغيرة إلى وقودٍ للإصلاح والتقدّم، لا إلى نارٍ تلتهم البركة.
بل قد تصبح الغبطة دعاءً يبعد الحسد، يطهّر القلب من الكراهية، ويُثبّت النيّة على طريق الخير، ويجعل التنافس في الرزق والسعي سببًا لبركةٍ مضاعفة لا لحسدٍ مُهلِك.
فهكذا يتغيّر الحسد المذموم إلى غبطةٍ مباركة ترفع صاحبها عند الله ﷻ.
ما هي الغبطة؟
من الناحية الشرعية، الغبطة (الغيْرَة المحمودة) هي شعورٌ يدفع الإنسان إلى تقليد أعمال الخير التي يراها عند غيره، من غير أن يتمنى زوالها عنه.
وقد بيَّن الإمام النووي رحمه الله أن الغبطة من الصفات الجائزة، بل من الصفات المحمودة، ما دامت تُوجَّه نحو ما يُقرِّب العبد إلى الله تعالى.
قال رسول الله ﷺ:
لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ( الحديث رواه البخاري )
أي إن الحسد المباح ليس حسدًا على مجرّد المال أو الجاه، بل على توفيق الله في استخدام النعمة في الخير.
وفي عالم التجارة مثلًا، تظهر الغبطة حين نرى تاجرًا صادقًا، يعدل مع عمّاله، ويسير عمله بالبركة والنجاح. عندها يتحرك القلب راغبًا في أن ينال مثل توفيقه، لا أن تزول عنه النعمة.
وفي مثل هذه المواقف، يُستحب للمؤمن أن يلهج بـ دعاءٍ يبعد الحسد، أو دعاءٍ لِدَفْعِ الغيرة المذمومة، حتى يبقى قلبه نقيًّا، وهمّته صافية، وتتحوّل غيرته إلى دافعٍ للإصلاح لا إلى سببٍ للهلاك.
اقرأ أيضًا: أهمية امتلاك المهارات في عصرنا هذا
الغبطة والحسد
كثيرًا ما يختلط الأمر على الناس في التفريق بين الغبطة والحسد، فكلاهما ينشأ من شعورٍ داخليٍّ بالغيرة، لكن النية التي تقف خلف كلٍّ منهما تختلف اختلافًا كبيرًا.
فالغبطة هي أن يتمنّى الإنسان مثل نعمة أخيه من غير أن تزول عنه، أمّا الحسد فهو أن يتمنّى زوال النعمة عن غيره، ليحظى هو بها أو لتختفي عن صاحبها.
وفي ميدان العمل مثلًا، قد يُرَقّى أحد الزملاء بجهده وإتقانه، فيتحرّك في القلب خاطر: «ما شاء الله، ليتني أبلغ مثله، وسأسعى لأتعلّم وأتقدّم.
هذه هي الغبطة، طاقة إيجابية تدفع الإنسان نحو النموّ والإصلاح.
لكن إذا قال في نفسه: «لا بدّ أنه تملّق المدير أو خان الأمانة.»، فذلك هو الحسد، إذ يبحث عن مبرراتٍ ليُسقط غيره، لا ليُصلح نفسه.
وقد قال الإمام ابن القيّم رحمه الله:
“الحسد أوّل ما يحرق قلب الحاسد قبل أن يحرق المحسود”
فالحاسد يعيش في ضيقٍ وهمٍّ دائم، يغلي صدره بالحقد، وتظلم روحه بالضيق والهمّ.
أمّا صاحب الغبطة، فقلبه مطمئنٌّ منشرح، يرى النعمة في غيره دافعًا إلى العمل، لا سببًا للكره.
ولكي يبقى القلب على هذا الصفاء، يحتاج المؤمن دائمًا إلى دعاءٍ يبعد الحسد، يطهّر به نفسه من بقايا الغيرة المذمومة، ويُجدّد به نيّته ليبقى سعيه خالصًا لله تعالى.
فالغبطة نورٌ يفتح آفاق الخير، أمّا الحسد فظلمةٌ تُطفئ بركة العمر والعمل
اقرأ أيضًا: عندما تكون الصدقة أكثر قيمة من الثروة
إدارة الغبطة في عالم التجارة
في عالم الأعمال المليء بالمنافسة والتحدّيات، يمكن للغبطة أن تتحوّل إلى قوّة دافعة عظيمة إذا وُجِّهت التوجيه الصحيح. فحين نرى نجاح الآخرين، لا ينبغي أن يكون ذلك سببًا لليأس أو الإحباط، بل فرصةً للتعلّم وتطوير الذات.
وعندما يبدأ القلب بالشعور بالغيرة، فلتكن الخطوة الأولى هي الدعاء الذي يبعد الحسد، دعاءٌ نرفع به أيدينا لا بألفاظٍ جوفاء، بل برجاءٍ صادقٍ أن يحفظ الله قلوبنا من أمراض الحسد، ويملأها بروح الإخلاص والرضا.
وقد قال رسول الله ﷺ:
الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ (رواه الحاكم)
فالدعاء ليس مجرد طلبٍ للرزق، بل هو أيضًا وسيلةٌ لتطهير القلب من سموم الحسد، ليبقى البصر بصيرًا والنية نقية، فلا نحسد بنعم الله على عباده، بل نستلهم منها الهمة والعزيمة.
ثم يأتي التوكل مفتاحًا آخر في إدارة الغبطة، فكم منّا انشغل بالنتائج حتى نسي أن الأرزاق مقسومةٌ بحكمة الله تعالى!
ما علينا إلا أن نسعى في طلبها سعيًا حلالًا صادقًا، كما قال الله سبحانه في كتابه الكريم:
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ( سورة الملك [67]: 15)
فحين نرى نجاح غيرنا، لنتذكّر أن لكلٍّ رزقه وطريقه، وأن مهمّتنا ليست إقصاء الآخرين ولا منافستهم بالباطل، بل أن نقتدي بخطواتهم نحو الخير لنُصلح أنفسنا.
فالغبطة الصادقة ليست رغبةً في أخذ مكان أحد، بل سعيٌ لأن نكون أفضل في أعين الله، مع قلبٍ راضٍ، ولسانٍ ذاكر، ودعاءٍ يبعد الحسد عنّا وعن غيرنا.
اقرأ أيضًا: أهمية المثابرة في الأعمال
الخاتمة
إن الحسد يشبه النار؛ إن أُحسن توجيهها أضاءت ودفأت، وإن تُركت بلا ضبط أحرقت القلب والعمل.
فالغبطة هي ذلك الشعور المشتعل الذي كُفَّ بلجام التقوى، لا يبتغي الإفساد، بل يسعى للإصلاح، لا يحقد، بل يرقى.
وفي عالم التجارة السريع الإيقاع، يمكن للغبطة أن تكون رحمةً إذا وُجِّهت نحو الطاعة والعلم والعمل الصالح. فهي توقظ في القلب الهمة، وتدفع إلى الاجتهاد، وتُنمِّي روح المنافسة النبيلة.
فإذا أحسست يومًا بوخزة الغيرة حين ترى نجاح أحدٍ من الناس، فلا ترفض الشعور، بل روِّضه بالإيمان. ابتسم، وقل في نفسك
:اللهم بارك له، واجعلني عبدًا يقتدي بخيره ويزداد قربًا منك.
ذلك هو الدعاء الذي يبعد الحسد في أبسط صوره، لكنه من أقواها أثرًا.
إن الغيرة إذا امتزجت بالإيمان تحوّلت من نارٍ تحرق إلى نورٍ يهدي، ومن غمٍّ يطفئ القلب إلى أملٍ يبعث الحياة.
وهناك يكمن سر البركة الحقيقية: ليس فيمن يسبق إلى القمة، بل فيمن يطهّر نيّته وهو يصعد إليها.
“الغبطة إذا سُيّرت بتقوى الله، أشعلت نور الحماس لا نار الكراهية”
اقرأ أيضًا: أهداف التمويل الشخصي للعطاء وليس الاكتناز
لنستثمر في الشريعة الإسلامية على موقع zeedsharia.com
المراجع
القرآن الكريم.
البخاري ومسلم. الصحيحان، حديث عن الغبطة. متاح في
: https://sunnah.com/bukhari:73
ابن قيم الجوزية. مدارج السالكين. دار الكتاب العربي.
الحاكم النيسابوري. المستدرك على الصحيحين.