مهارات التواصل والعلاقات كوسيلة لفتح الفرص
عندما يسمع معظم الناس كلمة “ثروة”، يتبادر إلى أذهانهم فورًا وفرة من المال، أو حساب توفير ضخم، أو أصول في كل مكان. لكن مفهوم “الثروة” أوسع بكثير.
قد تأتي النعم في صورة صحة جيدة، أو أسرة منسجمة، أو أطفال صالحين، أو أصدقاء طيبين، أو حتى وجبة بسيطة نستمتع بها بسلام. المال مجرد أحد أشكال النعم، وليس النعم الرئيسية.
ومن المثير للاهتمام أن الرزق نادرًا ما ينزل فجأةً من السماء. فالله يمنحه عادةً عبر وسطاء بشر. وهنا تكمن أهمية بناء العلاقات: فالعلاقات الطيبة التي نحافظ عليها تفتح لنا أبواب الرزق.
النبي ﷺ :
مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ( حديث رواه البخاري )
هذا الحديث واضحٌ جليّ: إنَّ المحافظة على الصَّلاة ليست مجرد حديثٍ عابرٍ أو اجتماعٍ في العيد، بل هي سبيلٌ لفتح أبواب الرزق، بل وإطالة العمر بالبركات.
إن المؤن الحقيقية هي التي يمكن التمتع بها
انظر حولك. هناك أناسٌ يملكون ثروةً طائلة، لكن حياتهم خانقة. إنهم متوترون، مرضى، وبعيدون عن عائلاتهم. في المقابل، هناك أناسٌ ذوو دخلٍ متواضع، لكن وجوههم مشرقة، وقلوبهم هادئة، وحياتهم مليئة بالامتنان.
هذا يُثبت أن الرزق لا يعني بالضرورة الغنى. الرزق الحقيقي هو ما نستمتع به حقًا. لا جدوى من طعام لذيذ إذا كان لسانك مُرًّا من المرض. لا جدوى من راتب كبير إذا كان قلبك مضطربًا وعائلتك في حالة من الفوضى.
حتى أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم حذّر بشدة:
لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ ( حديث رواه مسلم )
بالنسبة للمسلم، ليس الحفاظ على صلة الرحم مجرد نصيحة حياتية، بل هو واجب. عواقب قطع الصلة عمدًا وخيمة.
اقرأ أيضًا: قوة العادات لتحقيق نمو مالي مستقر
عثمان بن عفان: بركات بناء العلاقات
إذا أردتَ أن ترى مثالاً واقعياً، فانظر إلى قصة سيدنا عثمان بن عفان. قبل توليه الخلافة، كان عثمان معروفاً بتجارته الناجحة. لكن رأس ماله الرئيسي لم يكن الثروة فحسب، بل علاقاته الواسعة وسمعة طيبة.
عُرف أوتسمان بأمانته ولطفه وجدارته بالثقة. وثق به تجار من مختلف المناطق للتعاون معهم. ومن علاقة إلى أخرى، ازدهرت علاقاته، ووطدت علاقاته، وزاد حظه.
حتى يومٍ ما، استعدَّ جيش المسلمين لغزوة تبوك. كانت الظروف بالغة الصعوبة: المسافة طويلة، والمؤن شحيحة، والجو حار. احتاج النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى مؤنٍ كثيرة. تبرّع كثيرٌ من الصحابة بما استطاعوا، بعضهم بالتمر، والبعض الآخر بالمال.
لكن عثمان جاء بهبةٍ عظيمة: ألف بعيرٍ بعتادها، وسبعين فرسًا، وألف دينارٍ ذهبي. فدُهش النبي محمد (صلى الله عليه وسلم ) وقال: «لا إثم على عثمان بعد اليوم». ( حديث رواه الترمذي ).
أليس هذا مدهشًا؟ لم يكن ذلك لمجرد ثراء عثمان، بل لأنه حافظ على الأمانة، وتحمل المسؤوليات، ووسّع علاقاته التجارية بما يرضي الله.
اقرأ أيضًا: نمط حياة ذكي: إدارة أموالك للنمو
بناء العلاقات هو جسر للثروة
إذا تأملتَ الأمر، ستجد أن صحابة النبي لم يكونوا فقط مُتعبّدين مُخلصين، بل كانوا أيضًا مُبلّغين بارعين. لقد أدركوا أن الرزق غالبًا ما يمرّ عبر أيدي الآخرين.
للأسف، يعمل الكثير من الناس اليوم بلا كلل، لكنهم ينسون بناء علاقات. ينشغلون بأنفسهم لدرجة أنهم يتساءلون عن سبب قلة دخلهم. قد لا يكون السبب نقصًا في الجهد المبذول، بل نقصًا في بناء جسور التواصل.
الصداقة كالجسر. كلما كثرت الجسور، زادت الطرق التي نعبرها. لكن إذا انغلقنا على أنفسنا أو سببنا الإزعاج للآخرين، فلا تستغرب إن ضاق باب الرزق.
يقول المثل العربي:
“النَّاسُ بِالنَّاسِ وَالْبِلَادُ بِالْعِبَادِ”
هذا يعني أننا لا نستطيع العيش بمفردنا. غالبًا ما تأتي الرزق عبر شبكات، ويفتحها الله لنا من خلال الناس من حولنا.
اقرأ أيضًا: الاستثمار للمبتدئين: ابدأ بذكاء دون ذعر
البدء من الأشياء الصغيرة
بناء العلاقات لا يقتصر على أصحاب الأعمال الكبيرة، بل يمكننا جميعًا أن نبدأ من الصفر.
عادةً ما يحظى الموظفون الودودون والمتعاونون بثقة رؤسائهم. غالبًا ما يعود العملاء إلى أصحاب الأعمال الصغيرة الصادقين ويجلبون معهم أصدقاء. غالبًا ما يُغرق المستقلون المهذبون والمتجاوبون بفيض من الطلبات المتكررة.
الأمر بسيط، لكن النتائج الثابتة مهمة. والأهم من ذلك، أننا في كل مرة نحافظ فيها على علاقات طيبة، ننفذ أمر الله. فالنعم لا تُشعر بها الدنيا فحسب، بل تُصبح أيضًا كنزًا للآخرة.
اقرأ أيضًا: حوّل الثروة إلى مكافآت مع التخطيط المالي الإسلامي
خاتمة
الرزق واسع، لا يقتصر على المال فحسب. الصحة، والأسرة، والسلام، والبركات جزءٌ منه أيضًا. ومن أهمّ أسباب الرزق الوفير الحفاظ على علاقات طيبة.
وقصة عثمان بن عفان دليل واضح على أن الصدق والأمانة والعلاقات الواسعة لا تولد الرزق الوفير فحسب، بل والبركات أيضاً.
لذا، إذا أردنا رخاءً وافرًا، فلا نكتفِ بالعمل الجاد أو بالاعتماد على رأس مال كبير. ابدأ الآن، ابنِ علاقات، وطوِّر صداقاتك، وحسّن تواصلك، وحافظ على الثقة. فغالبًا، من علاقة نُحسن رعايتها، يفتح الله لنا بابًا لرخاء أعظم مما نتصور.

لنستثمر في الشريعة الإسلامية على موقع zeedsharia.com
مرجع
البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. الحديث رقم: 5985. مأخوذ من
: https://sunnah.com/bukhari:5985
مسلم، الحجاج بن مسلم. صحيح مسلم. حديث رقم 2556 أ. تم الوصول إليه من
: https://sunnah.com/muslim:2556
أ. الترمذي، محمد بن عيسى. سنن الترمذي. حديث رقم 3701. تم الوصول إليه من
: https://sunnah.com/tirmidhi:3701





